محمد جمال الدين القاسمي
83
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ما يحصل من الكفاية بالتوكل حاصلا ، وإن عدم التوكل . وقد قال تعالى : وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [ آل عمران : 173 - 174 ] ، فعقب هذا الجزاء والحكم لذلك الوصف والعمل ، بحرف ( الفاء ) وهي تفيد السبب ، فدل ذلك على أن ذلك التوكل هو سبب هذا الانقلاب بنعمة من اللّه وفضل . وأن هذا الجزاء جزاء على ذلك العمل . وفي الأثر : من سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه . فلو كان التوكل لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة ، لم يكن المتوكل أقوى من غيره . وقال تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [ الأحزاب : 1 - 3 ] . وقال في أثناء السورة : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [ الأحزاب : 48 ] . فأمره سبحانه بتقواه واتباع ما يوحى إليه وأمره بالتوكل . كما جمع بين هذين الأصلين في غير موضع . كقوله : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ الأحزاب : 48 ] . وقوله : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 8 - 9 ] . وقوله : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * [ الشورى : 10 ] . وقوله : رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا [ الممتحنة : 4 ] . وقوله : هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ [ الرعد : 30 ] وقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 2 - 3 ] . وقوله في الفاتحة : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] . وعلم القرآن مجتمع في الفاتحة في هذين الأصلين : عبادة اللّه والتوكل عليه . وإذا أفرد لفظ العبادة دخل فيه التوكل . فإنه من عبادة اللّه . كقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [ البقرة : 21 ] وقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وإذا قرن به التوكل كان مأمورا به بخصوصه . وهذا كلفظ الإسلام والإيمان . والإيمان والعمل ، ولفظ الصلاة مع العبادة ومع اتباع الكتاب . ولفظ الفحشاء والبغي مع المنكر . ونظائر ذلك متعددة ، يكون اللفظ عند تجرده وإفراده يتناول أنواعا . وقد يعطف بعض تلك الأنواع عليه فيكون مأمورا به لخصوصه . ثم قد يقال : إذا عطف لم يدخل في المعطوف عليه . وقد يقال : بل الأمر به خاص وعام ، كما في قوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] . وإذا كان اللّه أمره بالتوكل على اللّه ، ثم قال : وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا * علم أن اللّه وكيل كاف لمن توكل عليه . كما يقال في الخطب